مجمع البحوث الاسلامية

140

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الذّكر عليه وينسبونه إلى الجنون ، والتّعكيس في كلامهم للاستهزاء والتّهكّم مذهب واسع ، وقد جاء في كتاب اللّه في مواضع منها : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الانشقاق : 24 إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ هود : 87 ، وقد يوجد كثير في كلام العجم . والمعنى : إنّك لتقول قول المجانين حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر . ( 2 : 378 ) نحوه النّسفيّ ( 2 : 269 ) ، والخازن ( 4 : 47 ) ، وأبو حيّان ( 5 : 446 ) ، والشّربينيّ ( 2 : 194 ) ، وأبو السّعود ( 4 : 8 ) ، والقاسميّ ( 10 : 3747 ) ، والمراغيّ ( 14 : 8 ) . الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا بالغ في تهديد الكفّار ، ذكر بعده شبههم في إنكار نبوّته : فالشّبهة الأولى : أنّهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأوّل : أنّه عليه السّلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنّوا أنّها جنون ، والدّليل عليه قوله : وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ القلم : 51 ، 52 ، وأيضا قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ الأعراف : 184 . والثّاني : أنّهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقّا من عند اللّه تعالى ، فالرّجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره ، فربّما قال له : هذا جنون وأنت مجنون ، لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في هذه الآية يحتمل الوجهين . أمّا قوله : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الحجر : 6 ، ففيه وجهان : الأوّل : أنّهم ذكروه على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ الشّعراء : 27 ، وكما قال قوم شعيب : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ هود : 87 ، وكما قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آل عمران : 21 ، لأنّ البشارة بالعذاب ممتنعة . والثّاني : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ( 19 : 158 ) البروسويّ : نادوا به النّبيّ عليه السّلام على وجه التّهكّم ، ولذا جنّنوه بقولهم : إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ إذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكّر عليه ونسبة الجنون إليه ، والمعنى : إنّك لتقول قول المجانين ، حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر ، أي القرآن . وجواب هذه الآية قوله تعالى في سورة القلم : 2 ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي ما أنت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنّبوّة وكمال العقل . يقول الفقير : الجنون من أوصاف النّقصان ، يجب تبرئة ساحة الأنبياء وكمّل الأولياء منه ، وعدّ نسبته إليهم من الجنون ؛ إذ لا سفه أشدّ من نسبة النّقصان وسخافة العقل ، والإذعان إلى المراجيح الرّزان ، ولا عقل من العقول إلّا وهو مستفيض من العقل الأوّل الّذي هو الرّوح المحمّديّ ، والعاقل بالعقل المعادي مجنون عند العاقل بالعقل المعاشي ، وبالعكس . ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول إلّا بعد دخول دائرة العشق . ( 4 : 442 ) الآلوسيّ : يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر العظيم الخارق للعادة ، إنّك بسبب تلك الدّعوى متحقّق جنونك على أتمّ وجه ، وهذا كما يقول الرّجل لمن يسمع منه كلاما يستبعده : أنت مجنون . وقيل : حكمهم هذا لما